منصـة عمـاد الرقـمية
EMAD MULTIMEDIA DIGITAL PLATFORM

الذكاء الاصطناعي: حكاية آلة تعلّمت من الإنسان

اقرأ المقال، شاركه بسهولة، ثم استكشف التصنيف والمواضيع المرتبطة من نفس القسم.

الذكاء الاصطناعي: حكاية آلة تعلّمت من الإنسان

الذكاء الاصطناعي: حكاية آلة تعلّمت من الإنسان

 


مقدمة: سؤالٌ قديم في ثوبٍ جديد

حين تطرح سؤالاً على أحد المساعدين الأذكياء فيأتيك الجواب في صياغةٍ محكمة، أو يترجم لك فقرةً كاملة في ثوانٍ، أو يتعرّف هاتفك إلى وجهك، فإنك تقطف ثمرة مسيرةٍ طويلة بدأت قبل ظهور الحاسوب ذاته. فالذكاء الاصطناعي ليس اختراعاً طارئاً وُلد في السنوات الأخيرة، بل حلمٌ قديم تراكمت فوقه الأفكار والإخفاقات والانتصارات على امتداد أكثر من سبعين عاماً.

يتتبّع هذا المقال تلك المسيرة بتأنٍّ: كيف نشأت الفكرة، وأين تعثّرت، وكيف عادت أشدَّ بأساً. ثم يفتح غطاء المحرّك ليبيّن كيف تعمل هذه المنظومات حقاً، وبأي مقاييس يُحكم على جودتها، وكيف يتواصل تعلّمها وتحسّنها، وصولاً إلى السؤال الأعمق: كيف صار ما دوّنه الإنسان عبر القرون هو البذرة التي نبتت منها هذه الآلة؟

الجذور: قبل أن تُخلق الحواسيب

فكرة الكائن الصناعي المفكّر قديمةٌ قِدمَ الحكايات؛ فقد تحدثت الأساطير عن تماثيل تدبّ فيها الحياة، وصنع المهندسون القدماء آلاتٍ تتحرك من تلقاء نفسها، وابتكر الجزري في القرن الثاني عشر الميلادي أجهزةً ميكانيكية بديعة تُعدّ من أوائل أمثلة الأتمتة. غير أن ذلك كله كان حركةً بلا فهم.

أما القفزة الفكرية الحقيقية فجاءت حين بدأ العلماء يتساءلون: هل يمكن اختزال التفكير نفسه في قواعد وعمليات حسابية؟ لقد أعطى الخوارزمي اسمه لمفهوم «الخوارزمية»، أي سلسلة من الخطوات المحددة تُنفَّذ بترتيبٍ معلوم. وفي القرن التاسع عشر كتبت آدا لوفلايس، وهي تعمل مع تشارلز باباج على آلته التحليلية، ما يُنسب إليها بوصفه أول برنامج في التاريخ، ولاحظت أن الآلة لا تبتكر شيئاً من عندها، وإنما تنفّذ ما نأمرها به. وما يزال هذا الاعتراض موضع جدلٍ إلى يومنا.

ثم جاء العقد الرابع من القرن العشرين. ففي عام 1943 اقترح وارن ماكولوك ووالتر بيتس نموذجاً رياضياً مبسّطاً للخلية العصبية، وكان ذلك الشرارة الأولى لفكرة الشبكات العصبية الاصطناعية. وفي عام 1950 نشر آلان تورنغ ورقته الشهيرة «الآلات الحاسبة والذكاء»، وطرح فيها سؤالاً جريئاً: هل تستطيع الآلة أن تفكّر؟ واستعاض عن الجدل الفلسفي باختبارٍ عملي؛ فإذا حاوَر إنسانٌ آلةً وإنساناً آخر دون أن يراهما، وعجز عن التمييز بينهما، فبأي حجّةٍ نحجب عن الآلة صفة الذكاء؟

الولادة الرسمية: دارتموث 1956

في صيف عام 1956 اجتمع نفرٌ من الباحثين في كلية دارتموث بالولايات المتحدة، وكان في طليعتهم جون مكارثي، وهو الذي صاغ مصطلح «الذكاء الاصطناعي» لهذا اللقاء. وقد غلب عليهم التفاؤل، فظنّوا أن فريقاً صغيراً قادر في أشهر معدودة على تحقيق تقدّم كبير في جعل الآلات تستخدم اللغة وتحلّ المسائل. ثم أثبتت السنون أن الأمر أعسر مما قدّروا بكثير.

ومع ذلك كانت البدايات باهرة بمقاييس زمانها. فظهرت برامج تُثبت نظريات رياضية، وبرامج تلعب الداما وتتحسّن مع كل مباراة. وفي عام 1958 قدّم فرانك روزنبلات «البيرسبترون»، وهو أول نموذج عصبي صناعي يتعلم من الأمثلة، وأعلنت الصحافة يومئذٍ أن عصر الآلات المفكّرة قد أوشك. وفي عام 1966 ظهر برنامج «إليزا» الذي يحاكي معالجاً نفسياً بتحويل كلمات المستخدم إلى أسئلة، فدهش مبتكره حين رأى الناس يتعلقون به عاطفياً مع أنه لا يفهم شيئاً.

الشتاءان: حين خبا الحماس

يعلّمنا التاريخ هنا درساً في التواضع. ففي عام 1969 نشر مارفن مينسكي وسيمور بابرت كتاباً بيّنا فيه حدود البيرسبترون البسيط وعجزه عن حلّ مسائل بسيطة نسبياً، فتراجع التمويل والاهتمام بالشبكات العصبية سنواتٍ طويلة. وفي عام 1973 صدر تقرير لايتهيل في بريطانيا منتقداً الوعود التي لم تتحقق، فقُطعت أموالٌ كثيرة. وهذا ما عُرف بـ«شتاء الذكاء الاصطناعي الأول».

وفي الثمانينيات انتعش الأمل بـ«الأنظمة الخبيرة»، وهي برامج تحمل قواعد صاغها خبراء من البشر، من قبيل: إذا ظهرت الأعراض كذا وكذا فالتشخيص المرجّح كذا. ونجحت في ميادين ضيقة واقتنتها الشركات، لكنها كانت هشّة باهظة الصيانة، إذ تتطلب كل قاعدة جديدة كتابةً يدوية. ومع مطلع التسعينيات حلّ الشتاء الثاني.

غير أن أمراً بالغ الأهمية كان يجري بعيداً عن الأضواء. ففي عام 1986 أعاد ديفيد روميلهارت وجيفري هينتون ورونالد ويليامز تقديم خوارزمية «الانتشار العكسي» التي تتيح تدريب شبكات عصبية متعددة الطبقات. كانت تلك هي المفتاح الذي سيفتح الباب لاحقاً، لكن العالم لم يكن مستعداً بعد: لا بيانات كافية، ولا عتاد بالقوة المطلوبة.

الصعود: حين اجتمعت ثلاثة عناصر

مع نهاية التسعينيات تغيّر المنهج؛ فبدلاً من أن نكتب للآلة القواعد، صرنا نعرض عليها الأمثلة ونتركها تستخلص القواعد بنفسها، وهذا جوهر «التعلّم الآلي». وفي عام 1997 هزم الحاسوب «ديب بلو» بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، وهو إنجازٌ رمزي ضخم وإن قام على قوة الحساب والبحث أكثر مما قام على التعلّم.

ثم التقت ثلاثة عناصر في مطلع العقد الثاني من هذا القرن:

  • بيانات هائلة صنعها الإنترنت: صور ونصوص ومقاطع بالمليارات.
  • عتادٌ قوي: وحدات المعالجة الرسومية التي صُمّمت للألعاب، فتبيّن أنها مثالية للعمليات الحسابية التي تحتاجها الشبكات العصبية.
  • خوارزميات ناضجة تراكمت عبر عقود، وفي طليعتها التعلّم العميق.

وجاءت اللحظة الفاصلة في عام 2012 حين فاز نموذج «أليكس نت» بمسابقة التعرّف على الصور «إيماج نت» بفارقٍ كبير عن كل منافسيه، وهو من عمل تلاميذ هينتون. ومنذ تلك اللحظة تحوّل الميدان كله نحو التعلّم العميق. وفي عام 2016 هزم برنامج «ألفاغو» من شركة ديب مايند بطل العالم لي سيدول في لعبة «غو»، وهي لعبةٌ كان الخبراء يرجّحون أن الآلات لن تتقنها قبل عقدٍ آخر على الأقل.

الثورة اللغوية: المحوِّل وما بعده

في عام 2017 نشر باحثون في غوغل ورقةً بعنوان «الانتباه هو كل ما تحتاجه»، قدّموا فيها بنيةً جديدة سُمّيت «المحوِّل» (Transformer). تقوم فكرتها على أن ينظر النموذج إلى الجملة كلها دفعةً واحدة، ويقرّر لكل كلمة أي الكلمات الأخرى أجدرُ بالاهتمام لفهمها. وقد جعلت هذه البنية تدريب نماذج لغوية عملاقة ممكناً وسريعاً، فصارت أساس معظم ما نراه اليوم.

وتتابعت الأحداث بسرعة: ظهر «بيرت» عام 2018، ثم سلسلة «جي بي تي» التي بلغت مرحلة لافتة مع الإصدار الثالث عام 2020. وفي نوفمبر 2022 أُطلق «شات جي بي تي» فبلغ ملايين المستخدمين في أسابيع، وأدرك الجميع فجأةً أن الذكاء الاصطناعي خرج من المختبرات إلى حياتنا اليومية. وفي المسار ذاته حقّق نظام «ألفا فولد» قفزةً في التنبؤ ببنية البروتينات، ونال القائمون عليه جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024، كما نال هينتون وهوبفيلد جائزة نوبل في الفيزياء في العام نفسه تقديراً لأعمالهما التأسيسية في الشبكات العصبية.

ومنذ ذلك الحين صارت النماذج تتعامل مع النص والصورة والصوت معاً، وتستدلّ خطوةً بخطوة قبل أن تجيب، وتعمل بوصفها «وكلاء» ينفّذون مهام متعددة الخطوات مستعينين بأدوات حقيقية كالمتصفح والملفات وقواعد البيانات. والسرعة هنا بالغة إلى حدّ أن أي مقال يتناول «آخر المستجدات» يشيخ في بضعة أشهر.

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي من الداخل؟

تأمّل طفلاً يتعلّم التمييز بين القطط والكلاب. نحن لا نشرح له القوانين الهندسية للأذن والذيل، بل نُريه صوراً كثيرة ونصحّح له كلما أخطأ. وبعد آلاف الأمثلة يلتقط أنماطاً لا يستطيع هو نفسه وصفها. والشبكات العصبية تتعلم بالروح ذاتها.

الشبكة العصبية تتألف من طبقاتٍ من «العُقَد» الرياضية، ولكل وصلة بين عقدتين رقمٌ يُسمّى «الوزن». فإذا دخلت إلى الشبكة معلومة مرّت عبر الطبقات، فتتضخم بعض الإشارات وتضعف أخرى بحسب الأوزان، حتى تخرج نتيجةٌ في الطرف الآخر. والنماذج الكبرى اليوم تحوي مليارات من هذه الأوزان، وهي في الحقيقة كل ما «تعرفه» الآلة.

التدريب هو عملية ضبط هذه الأوزان. يُعرض على النموذج مثال فيُعطي توقعاً، ثم يُحسب مقدار خطئه بدالةٍ تُسمّى «دالة الخسارة». بعدها تأتي خوارزمية الانتشار العكسي لتحدّد أي الأوزان أسهمت في الخطأ وبأي قدر يجب تعديلها، وتتكرر العملية مليارات المرات حتى يصغر الخطأ.

اللغة والنماذج اللغوية. لا يقرأ النموذج اللغوي الكلمات كما نقرؤها، بل يقسّم النص إلى وحداتٍ صغيرة تُسمّى «رموزاً» (Tokens)، ويحوّل كل رمز إلى قائمة أرقام تعبّر عن معناه وعلاقاته. والمهمة التي يتدرّب عليها بسيطة في ظاهرها: توقّع الرمز التالي. غير أنه ليتوقع بدقةٍ عبر مليارات الجمل المتنوعة يضطر ضمنياً إلى تعلّم النحو والحقائق وأنماط الاستدلال وأساليب الكتابة، ومن هنا جاءت القدرات التي فاجأت الجميع.

والمهم أن نفهم أن هذا لا يعني بالضرورة أن الآلة «تفهم» كما نفهم نحن، ولا أنها تنسخ نصوصاً محفوظة. إنها تبني تمثيلاً داخلياً إحصائياً معقّداً لما رأته، وتستطيع إنتاج صياغات جديدة. أما هل يُسمّى ذلك فهماً حقيقياً، فسؤالٌ ما زال الفلاسفة والعلماء يختلفون حوله.

كيف تتعلم وتتحسن باستمرار؟

لا يتم التعلّم دفعةً واحدة، بل عبر مراحل متعاقبة:

أولاً: التدريب المسبق. يقرأ النموذج كميات ضخمة من النصوص والأكواد وغيرها، ويتعلم الأنماط العامة للغة والمعرفة. وهذه أغلى المراحل وأطولها، إذ تستغرق أسابيع أو شهوراً على آلاف المعالجات.

ثانياً: الضبط على التعليمات. النموذج الخام يكمل النصوص فحسب ولا يدرك أنك تسأله. لذلك يُدرَّب على آلاف الأمثلة التي كتبها بشر، كلٌّ منها سؤالٌ وجوابٌ جيد، فيتحول من «مكمّل نصوص» إلى مساعد.

ثالثاً: التعلّم من التفضيلات البشرية. تُعرض على مقيّمين من البشر إجابات متعددة عن السؤال الواحد فيختارون الأفضل، ومن هذه الاختيارات يتعلم النموذج ما يراه الناس مفيداً وواضحاً وآمناً. وتُعرف هذه الطريقة بالتعلّم المعزَّز من التغذية الراجعة البشرية (RLHF)، وثمة تنويعات حديثة عليها.

رابعاً: التعلّم بالمكافأة المحققة. في مجالات كالرياضيات والبرمجة يمكن التحقق آلياً من صحة الجواب، فيُكافأ النموذج حين يصيب، وقد أسهم ذلك كثيراً في تحسين قدرات الاستدلال.

خامساً: ما بعد التدريب. ثمة فرق دقيق ينبغي إدراكه: النموذج الجاهز لا يتعلم من محادثاتك لحظياً فتتغير أوزانه. أما التحديث المستمر فيأتي بطرقٍ أخرى: إصدارات جديدة تُدرَّب بين حينٍ وآخر، وأنظمة بحثٍ واسترجاع تتيح للنموذج الاطلاع على معلومات حديثة أو مستندات خاصة وقت السؤال، وأنظمة «ذاكرة» تحفظ تفضيلات المستخدم خارج النموذج. أما التعلّم المستمر الحقيقي الذي يعدّل الأوزان باستمرار فلا يزال تحدّياً بحثياً، لأن النموذج حين يتعلم الجديد قد ينسى القديم، وتُسمّى هذه المشكلة «النسيان الكارثي».

الأدوات التي تقف خلف الكواليس

يتعامل العاملون في هذا الميدان مع طبقاتٍ متكاملة من الأدوات:

  • لغات البرمجة والأطر: لغة بايثون هي الأشهر، وإطارا «باي تورش» و«تنسرفلو» لبناء الشبكات وتدريبها.
  • العتاد: وحدات المعالجة الرسومية ومعالجات متخصصة أخرى، تتجمع في مراكز بياناتٍ ضخمة تستهلك طاقة كبيرة.
  • منصات المشاركة: مثل «هاغنغ فيس» التي تجمع نماذج مفتوحة ومجموعات بيانات يستخدمها الباحثون والمطورون.
  • الواجهات البرمجية (API): تتيح لأي مطوّر أن يستعين بنموذج جاهز داخل موقعه أو تطبيقه دون تدريب شيءٍ من الصفر.
  • أدوات التقييم والمراقبة: وهي التي تقيس جودة النموذج وتكشف أخطاءه قبل الإطلاق وبعده.

والخلاصة العملية أنك لست مضطراً إلى بناء نموذج عملاق لتستفيد؛ إذ يستطيع صاحب مشروع صغير أو مطوّر تطبيقات أن يبني منتجاً ذكياً بالاستعانة بنماذج جاهزة وربطها ببياناته الخاصة.

كيف نقيس جودة الذكاء الاصطناعي؟

من الخطأ أن نسأل «هل هذا النموذج ذكي؟» ثم نكتفي بالانطباع، فلكل مهمة مقاييسها:

في التصنيف والتنبؤ: تُستخدم الدقة (نسبة الإجابات الصحيحة)، لكنها وحدها قد تُضلّل. فلو كان مرضٌ نادر يصيب واحداً من كل مئة، لحقّق نموذجٌ يقول دائماً «سليم» دقةً بنسبة 99% دون أن يفيد أحداً. لذلك تُستخدم أيضاً مقاييس «الضبط» (Precision): من بين ما صنّفه النموذج إيجابياً كم كان صحيحاً، و«الاستدعاء» (Recall): من بين الحالات الإيجابية الحقيقية كم اكتشف، ومقياس F1 الذي يجمع بينهما.

أثناء التدريب: تُتابَع قيمة دالة الخسارة، ويُقارَن الأداء على بيانات التدريب وعلى بيانات لم يرَها النموذج. فإذا تفوّق على الأولى وتراجع في الثانية فذلك «فرط التخصيص»، أي أنه حفظ ولم يتعلّم.

في اللغة: يوجد مقياس «الحيرة» (Perplexity) الذي يقيس مدى مفاجأة النص الحقيقي للنموذج، ومقاييس مثل BLEU للترجمة، لكنها صارت محدودة الفائدة مع النماذج الحديثة.

الاختبارات المعيارية: مجموعات أسئلة موحّدة في الرياضيات والبرمجة والعلوم والمعرفة العامة يُقارَن بها بين النماذج. وهي مفيدة غير أن لها عيبين: فقد تتسرب أسئلتها إلى بيانات التدريب، وقد تُحسَّن النماذج لتبرع فيها دون أن يتحسن أداؤها في الواقع.

التقييم البشري والأمان: وفي النهاية يحكم الناس؛ إذ تُجرى مقارنات عمياء بين النماذج، ويُختبر النموذج أمام محاولات الخداع وسوء الاستخدام، ويُقاس معدل «الهلوسة»، أي اختلاق معلومات تبدو مقنعة لكنها خاطئة.

من الذكاء البشري إلى بذرةٍ للذكاء الاصطناعي

هذه النقطة هي لبّ الموضوع؛ فالآلة لم تهبط من السماء ذكيةً، بل نبتت من تراكمٍ بشري هائل. ويمكن أن نرى ذلك في خمس حلقات:

الحلقة الأولى: ما كتبناه. كل كتاب وبحث ومقال ومنتدى وشرح برمجي وقصة ونكتة نشرها البشر هو تربة التدريب. والنموذج يتعلم منها كيف نشرح ونجادل ونحلّ المسائل ونحكي. فذكاؤه، بمعنى مباشر، مستعارٌ من تجميع خبراتنا المكتوبة.

الحلقة الثانية: ما وسمناه. في الرؤية الحاسوبية كان أناسٌ حقيقيون يحدّدون في ملايين الصور أين القطة وأين السيارة. فمجموعة «إيماج نت» نفسها بُنيت بجهدٍ بشري ضخم في التصنيف، ولولاه لما حدثت قفزة 2012.

الحلقة الثالثة: ما علّمناه بالقدوة. حين يكتب الخبراء أمثلة لإجابات ممتازة، فهم يعرضون على النموذج مثالاً للأسلوب والدقة والأدب، ويتعلم منها كيف يتصرف مساعداً.

الحلقة الرابعة: ما فضّلناه. في كل مرة يختار مقيِّمٌ إجابةً على أخرى، يمرّر للنموذج ذوقاً وقيماً وحكماً. وهنا يدخل البعد الأخلاقي: فمن يختار، ومن يُمثَّل، ومن يُهمَّش في هذه الاختيارات؟ سؤالٌ جوهري، ولهذا نرى حرص الشركات على تنويع المقيّمين ونشر مبادئ توجّه سلوك النماذج.

الحلقة الخامسة: ما نمارسه معها اليوم. حين يصحّح مستخدمٌ إجابة، أو يعطي ملاحظة، أو تعتمد مؤسسة على نموذجٍ مع بياناتها الخاصة، تتولّد معلوماتٌ تُستخدم في تحسين الإصدارات اللاحقة، وفق سياسات كل شركة وخصوصية المستخدم.

ولذلك فالتشبيه الأدق ليس أننا «صنعنا عقلاً»، بل أننا زرعنا بذرةً هي خلاصة ذكائنا الجمعي، ثم تعهّدناها بالتغذية والتقويم والتهذيب. والشجرة التي تنمو منها تحمل ملامح التربة التي خرجت منها، بما فيها من حكمةٍ وأخطاء وتحيّزات.

حدودٌ ومخاطر لا ينبغي تجاهلها

من الإنصاف أن نذكر ما ينقص هذه التقنية؛ فالنماذج قد تخطئ بثقة، وقد ترث تحيزات من بياناتها، وقد يُساء استخدامها في الخداع والتزييف. ولها أثرٌ في سوق العمل يحتاج إلى استعداد، وتثير أسئلة عن حقوق المؤلفين وخصوصية البيانات. كما أن تدريبها وتشغيلها يستهلكان طاقةً وموارد كبيرة.

والتعامل الناضج معها يكون بالاعتدال: لا نبالغ فنقدّسها، ولا نستخفّ بها فنخسر فرصاً حقيقية. الأجدر أن نعدّها مساعداً قوياً يحتاج إلى مراجعتنا، خاصة في القرارات المهمة، فنتحقق من المعلومات الحساسة ولا نسلّم لها دون فحص.

أين نقف الآن؟

بدأت الرحلة بسؤال تورنغ، ومرّت بحماس دارتموث، وبشتاءين من الخيبة، ثم بانفجار التعلّم العميق، وانتهت إلى نماذج تحاورنا بلغتنا. وفي كل مرحلة كان العامل الحاسم واحداً: الإنسان. هو من طرح الأسئلة، وهو من كتب البيانات، وهو من قوّم النتائج، وهو من سيقرّر كيف تُستخدم.

وخير ما نفعله أن نتعلم كيف تعمل هذه الأدوات، فنحسن توجيهها وننتقد مخرجاتها ونستثمرها فيما ينفع الناس. فمن فهم الآلة ملك زمامها، ومن جهلها صار تابعاً لها.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

اكتـب رأيك لأن رأيك يهمنا كثيــرا ً